ابن شعبة الحراني
209
تحف العقول عن آل الرسول ( ص )
والسداد ، قد وقر قلبه ذكر المعاد ، فطوى مهاده ( 1 ) وهجر وساده ، قد عظمت فيما عند الله رغبته واشتدت منه رهبته ، يظهر دون ما يكتم ويكتفي بأقل مما يعلم ، أولئك ودائع الله في بلاده ، المدفوع بهم عن عباده ، لو أقسم أحدهم على الله لابره ، آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين . وقال عليه السلام : وكل الرزق بالحمق . ووكل الحرمان بالعقل . ووكل البلاء بالصبر . وقال عليه السلام للأشعث ( 2 ) يعزيه بأخيه عبد الرحمن : إن جزعت فحق عبد الرحمن وفيت وإن صبرت فحق الله أديت ، على أنك إن صبرت جرى عليك القضاء وأنت محمود وإن جزعت جرى عليك القضاء وأنت مذموم ( 3 ) . فقال الأشعث : إنا لله وإنا إليه راجعون فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أتدري ما تأويلها ؟ فقال الأشعث : لانت غاية العلم ومنتهاه فقال عليه السلام : أما قولك : " إنا لله " فإقرار منك بالملك . وأما قولك " وإنا إليه راجعون " فإقرار منك بالهلك ( 4 ) . وركب يوما فمشى معه قوم فقال عليه السلام لهم : أما علمتم أن مشي الماشي مع الراكب مفسدة للراكب ومذلة للماشي ، انصرفوا .
--> ( 1 ) طوى نقيض نشر . والمهاد : الفراش . وهجره أي تركه وأعرض عنه . ( 2 ) الظاهر هو أشعث بن قيس المكنى بابى محمد ذكروه في جملة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وكان أسر بعد النبي صلى الله عليه وآله في ردة أهل ياسر وعفى عنه أبو بكر وزوجه أخته أم فروة وكانت عوراء فولدت له محمد . وكان أشعث سكن الكوفة وهو عامل عثمان على آذربيجان وكان أبا زوجة عمر بن عثمان وكتب أمير المؤمنين عليه لسلام إليه بعد فتح البصرة فسار وقدم على علي عليه السلام وحضر صفين ثم صار خارجيا ملعونا وقال ابن أبي الحديد كل فساد كان في خلافة أمير المؤمنين عليه السلام وكل اضطراب حدث فأصله الأشعث وهو الذي شرك في دمه عليه السلام وابنته جعدة سمت الحسن عليه السلام ومحمد ابنه شرك في دم الحسين عليه السلام . ( 3 ) في النهج عزاه عن ابن له قال : [ يا أشعث إن تحزن على ابنك فقد استحقت ذلك منك الرحم . وان تصبر ففي الله من كل مصيبة خلف . يا أشعث إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور وان جزعت جرى عليك القدر وأنت مأزور ابنك سرك وهو بلاء وفتنة وحزنك وهو ثواب ورحمة ] . ( 4 ) الهلك بالضم : الهلاك .